محمد متولي الشعراوي

5967

تفسير الشعراوى

وشاء الحق سبحانه أن يجعل معنى التجارة واضحا ومعبّرا عن كثير من المواقف ؛ لأن التجارة تمثّل جماع كل حركة الحياة ؛ فهذا يتحرك في ميدان ؛ لينفع نفسه ، وينفع غيره ، وغيره يعمل في ميدان آخر ؛ فينفع نفسه ، وينفع غيره . وبهذا يتحقق نفع الإنسان من حركة نفسه وحركة غيره ، وهو يستفيد من حركة غيره أكثر مما يستفيد من حركته هو ، ومن مصلحة أي إنسان أن يحسّن كل إنسان حركته ؛ فيرتاح هو ؛ لأن ما سوف يصل إليه من حركة الناس سيكون جيد الإتقان . والتجارة تحمل أيضا الوساطة بين المنتج والمستهلك . ولذلك حين أراد اللّه سبحانه أن نستجيب لأذان الجمعة قال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 9 ) [ الجمعة ] ولم يقل اللّه سبحانه : اتركوا الزراعة أو اتركوا الصناعة ، أو اتركوا التدريس ، بل اختار من كل حركات الحياة حركة البيع ؛ لأن فيه تجارة ، والتجارة هي الجامعة لكل حركات الحياة . والتاجر وسيط بين منتج ومستهلك وتقتضى التجارة شراء وبيعا ، والشراء يدفع فيه التاجر ثمنا ، أما في البيع فهو يأخذ الثمن ، والغاية من كل شئ أن يتموّل الإنسان . لذلك فالبيع أفضل عند التاجر من الشراء ، فأنت قد تشترى شيئا وأنت كاره له ، لاحتياجك إليه ، ولكنك عند بيع البضاعة تشعر بالسعادة والإشراق ، ولأن الشراء فيه أخذ ، والبيع فيه عطاء ، والعطاء يرضى النفس دائما ؛ لأن ثمرة الصفقة تأتيك في لحظتها .